إلياس العماري.. سياسي مغربي تحت الطلب

الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة المغربي
صورة السياسي المغربي إلياس العماري

ظهور مفاجئ واختفاء متكرر، ومع كل عودة عمل جديد وهيئة مختلفة، لعل هذه العبارة تلخص حال الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة المغربي إلياس العماري. فمنذ دخوله المجال العام قبل أكثر من عقدين، يكرر الاختفاء ثم العودة بمنصب جديد.

سيرة إلياس العماري مليئة باتهامات عديدة، تتراوح بين التعاون مع الأمن، والتساؤل عن مصادر ثروته، دون أي تحقيق. إضافة إلى دعمه ومطالبته بشكل مستمر بتقنين زراعة الحشيش في المغرب، وسط اتهامات غير رسمية له بالعمل في تجارة المخدرات.

ورغم أنه كان من أقدم وأشرس أعداء الإسلاميين في المغرب، إذ عبر مرات عدة عن رغبته في إبعادهم عن الحياة السياسية. إلا أنه سعى أخيرا إلى “تلطيف” الأجواء معهم عبر تصريحات عامة ولقاءات خاصة.

إلياس العماري: التحول الأول

ولد إلياس العماري، في الأول من يناير/كانون الثاني 1967، بقرية آمنود، منطقة بني بوعياش، بإقليم الحسيمة، شمالي المغرب. كان والده فقيها يؤم الناس في أحد مساجد القرية، ما جعل العماري يستمع للأحاديث الشرعية من وقت مبكر بحياته.

تلقى تعليمه المدرسي في الحسيمة، ثم انتقل إلى مدن وجدة وفاس والرباط لاستكمال تعليمه الجامعي. فالتحق مبكرا بالحركة الطلابية، وانخرط في اليسار المغربي، ليحوْل اهتمامه بالسياسة دون استكمال مشواره الجامعي، وفق مؤيديه.

التحاق العماري باليسار المناوئ للنظام الملكي في الثمانينيات، وتأثره بالثائر الأرجنتيني تشي غيفارا، قاده -وفق روايته- إلى السجن.

وبمجرد خروجه، أجرى إلياس العماري الانتقال الأول في حياته، إذ تحول اهتمامه من السياسة إلى المجتمع المدني.

فانتسب لعدة جمعيات تنموية، من بينها، جمعية تطالب بتعويض ضحايا الغازات الكيميائية التي استخدمتها إسبانيا خلال “انتفاضة الريف” عشرينيات القرن الماضي.

في المقابل يرى منتقدوه، أنه لم يناضل يوما لأجل قضية، وأنه أمضى وقته بالجامعة “يتعقب” رفاقه، ويكتب عنهم تقارير للأمن. كما أن عمله في الجمعيات، لم يكن هدفه التنمية، بقدر ما كان يبحث عن طريقة للوصول إلى السلطة، وفق معارضيه.

التحول الثاني: تنموي لسياسي

ورغم أنه “لم يكن له أي تجربة علمية أو إدارية تؤهله لأي منصب” وفق معارضيه، حققت جهود إلياس العماري غايتها، فأجرى التحول الثاني لينتقل من العمل التنموي إلى السياسي.

ففي عام 2002، برز فجأة اسمه، بتعيينه عضوا في مجلس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (حكومي)، رغم أنه ليس لديه أي سيرة تؤهله لذلك، وفق معارضيه. وبعدها بسنة، تعزز حضوره في المشهد السياسي والإعلامي، بتعيينه عضوا في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (حكومية).

وعبر موقعها الإلكتروني، تذكر مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، ومقرها الهند، أن العماري، يعمل كرئيس لفرعها بإفريقيا. كما استضافه منتدى الجزيرة الحادي عشر الذي عقد بالعاصمة القطرية الدوحة يومي 15 و16 أبريل/نيسان 2017.

صورة إلياس العماري
يرى معارضو العماري أنه لم يناضل يوما لأجل قضية (مواقع تواصل)

مساع للتعمق في السياسة

عبر استثمار صداقاته القديمة، تمكن العماري من إقناع رموز يسارية بالمصالحة مع النظام الملكي، والانخراط في الحياة السياسية والحقوقية.

فانخرط بالفعل، في “حركة لكل الديمقراطيين” التي أسسها عام 2007 فؤاد عالي الهمة، زميل دراسة الملك محمد السادس وأحد المقربين إليه. وفي عام 2009، تحولت الحركة إلى ما يعرف بـ”حزب الأصالة والمعاصرة”، المشهور باسم “الجرار”، نسبة إلى شعاره.

وبسبب آرائه وقربه من عالي الهمة وغيره، جرى اتهام إلياس العماري شعبيا، بأن له علاقات بالأجهزة الأمنية، ما نفاه حينها مقربون منه.

ومع ظهور اسمه ضمن المتهمين شعبيا بالفساد خلال حراك 20 فبراير/شباط 2011، توارى العماري عن المشهد وغادر إلى فرنسا. وخلال الحراك، كان يُنظر للعماري كأحد رموز الدولة العميقة، التي تستغل قربها من صناع القرار، للتحكم بالمشهد السياسي والحزبي.

غير أن العماري لم يكن الوحيد الذي اختفى آنذاك، إذ طالت اتهامات الفساد الشعبية مؤسس الأصالة والمعاصرة فؤاد عالي الهمة. ورغم اشتراكهما بتأسيس الحزب والاختفاء، نفى العماري حينها أي علاقة له مع عالي الهمة منذ أصبح مستشارا للملك محمد السادس.

صلاة جوار الملك

وطوال السنوات التالية، لم يتولّ العماري أي منصب رسمي مرموق، حتى فاز في الانتخابات الجهوية والمحلية في أكتوبر/تشرين الأول 2015. وعقب فوزه برئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة، بدا جليا تقارب العماري والنظام، بظهوره يصلي الجمعة إلى جانب الملك محمد السادس.

ذلك الظهور أثار انتقادات سياسيين، على رأسهم عبد الإله بنكيران، الذي كان حينها رئيسا للحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية.

وقبل أن يصبح رئيسا للجهة، وقع إلياس العماري بحضور الملك مخططا لإطلاق برنامج تنمية إقليم الحسيمة، مسقط رأسه.

وفي تشريعيات أكتوبر/تشرين الأول 2015، قاد العماري “الجرار” للسيطرة على أغلبية جهات المملكة (وعددها 13). غير أن فوز الحزب بأغلب الجهات، جاء عبر تحالفات سياسية وصفت بـ”الغامضة”، في ظل اتهامات من خصومه باستخدامه النفوذ والمال السياسي.

إلياس العماري يؤدي أول صلاة جمعة إلى جانب الملك (تلفزيون)
إلياس العماري يؤدي أول صلاة جمعة إلى جانب الملك (بث تلفزيوني مغربي)

قيادة الجرار إلى المخزن

بتقربه للمخزن المغربي، بدا جليا حينها أن المرحلة التالية تتمثل بتولي إلياس العماري قيادة “الجرار”، ما أُعلن عنه خلال المؤتمر الذي انعقد في يناير/كانون الثاني 2016.

وصول العماري لقيادة الحزب، تزامن مع وضعه اللمسات النهائية، لإمبراطورية إعلامية متشعبة تابعة له، تضم موقعا إلكترونيا، وصحيفة، وإذاعة.

وفي مايو/أيار 2016، كان العماري رئيس الجهة الوحيد الذي رافق الملك خلال زيارته الرسمية إلى الصين. ولم تمر إلا أيام قليلة على زيارته للصين، حتى ظهر من جديد بجانب وزير الشؤون الخارجية والتعاون حينها صلاح الدين مزوار.

آنذاك، وقع العماري اتفاقية تهدف لإشراك الفاعلين بالجهة الشمالية، لتنظيم حدث “ميد كوب” بين 17 و19 يوليو/تموز 2016 بمدينة طنجة. وقال موقع موند أفريك الفرنسي، حينها، إن نشاط العماري الخارج عن المألوف لا يفاجئ أحزاب المعارضة بالمغرب مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

وأضاف الموقع، أنه عند النظر للمشهد عن قرب، يمكن إدراك وجود إستراتيجية تهدف لتجهيز العماري من أجل “مصارعة بنكيران والإسلاميين في المغرب”.

الملك محمد السادس يستقبل إلياس العماري بمناسبة توليه منصب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة (مواقع)
ملك المغرب يستقبل إلياس العماري بمناسبة توليه منصب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة (مواقع تواصل)

عداوة قديمة للإسلاميين

لم ينكر إلياس العماري حربه المعلنة على إسلاميي المغرب، إذ كان اسمه حاضرا بقوة في أحداث سعت لتشويه الإسلاميين منذ التسعينيات.

برز ذلك في قضية القيادي بالعدالة والتنمية عبد العلي حامي الدين، وما عُرف بمقتل الطالب بنعيسى أيت الجيد عام 1993 خلال أحداث عنف بجامعة فاس. واتهم حامي الدين، عبر بيان عام 2013، جهات وصفها بـ”المشبوهة”، على رأسها العماري، بالوقوف وراء هذا الملف “جاعلا عائلة أيت الجيد مجرد واجهة”.

وقال حامي الدين إن العماري وظِّف في ذلك من وصفهم بـ”بعض الأقلام المأجورة” وبعض المحامين “الذين باعوا ضمائرهم للشيطان”. وذكر أن أول بيان صدر في هذا الموضوع منسوبا لعائلة أيت الجيد، خرج من مقر حزب “الأصالة والمعاصرة”، حيث كان العماري رئيسا له.

وبمجرد قيادته الجرار مطلع 2016، أعلن رئيس الأصالة والمعاصرة سعيه إلى “محاربة الإسلاميين”، تأكيدا لحديث مؤسس الحزب عالي الهمة قبل مغادرته له. وفي ندوة صحفية عقدها خلال المؤتمر الثالث لحزبه عام 2016، هاجم العماري الإسلاميين دون التفريق بينهم، مشددا على أنهم “الخصم الوحيد” لحزبه.

وأردف: “لا نقول إن هذا الحزب خط أحمر أوغيره، إنما الذي قلناه ومازلنا نقوله والذي يقال علينا، إننا جئنا لنسهم في مواجهة الإسلاميين”. وأضاف: “حزبنا جاء ليواجه الإسلاميين ويدافع عن المسلمين، ليحارب الفكر الديني ويدافع عن الدين”، مشددا على ضرورة فصل الدين عن السياسة “كي لا تحدث أشياء سيئة”.

وأثناء الانتخابات التشريعية في أكتوبر/تشرين الأول 2016، قاد العماري عبر موقعه بالحزب وإمبراطوريته الإعلامية، هجوما شرسا ضد حزب العدالة والتنمية. ووجه قائد الجرار انتقادات لاذعة للحزب الذي كان يقود الحكومة حينها، وقال إنه أغرق البلاد في مشاكل اقتصادية لا حصر لها.

التحول الثالث: سياسي لإعلامي

وكعادته، أعلن العماري بشكل مفاجئ، تقديمه استقالته من رئاسته للحزب، في أغسطس/آب 2017، غير أنها لم تُقبل إلا في مايو/أيار 2018. ورغم أنه لم يعلن أسباب استقالته، فقد جاءت بعد أيام من انتقادات وجهها ملك المغرب لسياسيي البلاد، على خلفية “حراك الريف” شمال البلاد.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، أعلن المغرب شغور منصب رئيس جهة “طنجة تطوان الحسيمة”، بعد أحاديث غير رسمية عن استقالته أو إقالته، ليختفي العماري مجددا. وبعد أكثر من 4 سنوات، ظهر عبر لقاء مع موقع “هسبريس” المحلي، أعلن خلاله “العودة إلى الحياة وليس إلى السياسة”، وفق وصفه.

وخلال لقائه الإعلامي، الذي بث في يونيو/حزيران 2023، تغزل العماري بغريمه الإسلامي، حزب العدالة والتنمية. وقال إن ما وقع للحزب في انتخابات 2021 التشريعية “ليست انتكاسة انتخابية”، وإن للحزب “مشروعا مجتمعيا”.

وبمجرد عودته، ترددت أنباء عن استحواذه على إذاعة “كاب راديو” في طنجة (شمال)، ليظهر لاحقا كمذيع لأحد برامجها.

لم تكن سيرة عودة إلياس العماري للمشهد الإعلامي المثيرة للجدل فقط، إذ أثار مظهره الجديد الجدل أيضا. كما أحيت عودته مجددا تساؤلات قديمة عن مصادر ثروته، وما تردد عن “تهريبه أموال طائلة للخارج” عام 2019.

اتهامات بتجارة المخدرات

الاتهمات الموجهة إلى إلياس العماري بالعمل في المخدرات قديمة متجددة. فخلال لقاء نقابي وحزبي، في سبتمبر/أيلول 2011، اتهمه عمدة مدينة فاس آنذاك حميد شباط، بتجارة المخدرات.

وإضافة إلى العماري، اتهم شباط آخرين بينهم عالي الهمة، بالانتماء لشبكة تتاجر في مخدر “الكوكايين”، مطالبا بـ”فتح تحقيق معهم”. غير أن النيابة العامة لم تتحرك للتحقيق في تلك الاتهامات، كما أن أي من الشخصيات المتهمة لم يرفع دعوى رد اعتبار أو تشهير.

وفي 2015، جدد رئيس الحكومة حينها بنكيران، الدعوة إلى العماري للكشف عن “حقيقة متاجرته في المخدرات”. وقال: “على العماري أن يجيب عن اتهامات شباط له بتلقي أموال المخدرات، واستعمالها في الانتخابات، وأن يوضح إن كانت الاتهامات صحيحة أم لا”.

وحذر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية من استعمال أموال المخدرات لـ”إفساد العملية الانتخابية”، مشددا على أن “استعمال المال محرم، بغض النظر عن مصدره”.

وخلال فترة رئاسة بنكيران للحكومة (2011-2017)، قاد العماري مطالبات بالسماح بزراعة القنب الهندي (الحشيش)، بدعوى فوائده على الصحة والبيئة.

وفي 2019، أعاد العماري مطالبته بتقنين الحشيش، من خلال طرح دراسة تتناول فوائده، بهدف المصادقة عليها في البرلمان المغربي.

وذكرت مصادر إعلامية، أن العماري، وجه بتخصيص مئة مليون سنتيم (حوالي 100 آلاف دولار) من أموال جهة طنجة تطوان الحسيمة، للدراسة التي أعدها عن الحشيش.

التحول الرابع: منتظر

ورغم العداوة السابقة مع الإسلاميين، التقى إلياس العماري، في 27 سبتمبر/أيلول 2023، عبد الإله بنكيران، خلال جنازة بمقبرة الشهداء بالعاصمة الرباط.

وظهر العماري وبنكيران خلال حديث ثنائي بينهما، على هامش جنازة المندوب الوزاري لحقوق الإنسان شوقي بنيوب، الذي وافته المنية، قبلها بيومين في العاصمة.

وبسبب عودته للظهور الإعلامي، وتلطيفه الأجواء مع الإسلاميين، ذهب مراقبون إلى أنه يحاول العودة عبر “قبيلة الصحفيين” بعدما “أخرج بالقوة” من قبيلة السياسيين.

كما أنه يسعى، وفق المراقبين، إلى جس النبض الشعبي والوسط السياسي، لعله يلفت أنظار المخزن المغربي، ويجرى تكليفه بمهمة جديدة.

مصادر البروفايل

اكتشاف المزيد من بروفايلات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading