بسبب إصرار مراسل الجزيرة في غزة وائل الدحدوح على نقل صورة الجرائم الوحشية التي يرتكبها الاحتلال في القطاع، أصبحت أخبار حياته وما يتعرض له من أكثر الأخبار تداولا واهتماما.
الدحدوح الذي اغتال الاحتلال زوجته وابنه وابنته وحفيده وعشرة من أقاربه خلال عدوانه على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، استُهدف شخصيا فأصيب وفقد مصوّره الصحفي.
وأطلق جيش الاحتلال في 7 من الشهر نفسه، عدوانا وحشيا مدمرا على قطاع غزة، أسفر عن عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى معظمهم من الأطفال والنساء.
كما تسبب عدوان الاحتلال في دمار هائل في المباني والمنشآت والمستشفيات والبنية التحتية، إضافة لكارثة إنسانية غير مسبوقة بالقطاع، بحسب مصادر أممية.
محتويات البروفايل
من هو وائل الدحدوح؟
في حي الزيتون بمدينة غزة شمالي القطاع، ولد وائل حمدان إبراهيم الدحدوح، نهاية أبريل/نيسان من عام 1970، لأسرة ميسورة، تعمل بالزراعة.
وفي الحي نفسه الذي اكتسب اسمه من كثافة أشجار الزيتون نشأ وائل الدحدوح، فعمل بالزراعة منذ طفولته وحتى حصل على الثانوية العامة عام 1988.
مع تخرجه من الثانوية، حاول السفر للخارج لدراسة الطب، لكن الاحتلال اعتقله في العام ذاته، لمشاركته بالانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987.
خلال فترة أسره في سجون الاحتلال، التي استمرت 7 سنوات، حصل وائل الدحدوح مجددا على شهادة الثانوية العامة.
وبمجرد خروجه من السجن، التحق بالجامعة الإسلامية في غزة، التي حصل فيها على بكالوريوس الصحافة والإعلام عام 1998.
وبسبب استمرار منعه من السفر، لم يستطع تحقيق حلمه بالتعلم خارج البلاد، فدرس العلوم السياسية في جامعة القدس بالضفة الغربية، ليحصل على الماجستير فيها عام 2007.
ورغم ما حققه وائل الدحدوح من نجاحات في حياته الأكاديمية والعملية، ما زال يحتفظ بقطعة أرض زراعية، يعتني بها ويحافظ على بقائها خضراء حية.
مراسل الجزيرة في غزة
عقب تخرجه، امتهن وائل الدحدوح الصحافة، فعمل مراسلا في قطاع غزة وتواصل مع صحف ومجلات، إضافة إلى إذاعات وقنوات محلية وإقليمية.
وفي 2004، بدأ العمل مراسلا بمكتب “الجزيرة” في فلسطين، ومنذ التحاقه نقل أحداثا عدة من الأراضي المحتلة، قبل أن يصبح مديرا لمكتب القناة في غزة.
خلال إدارته لمكتب قناة الجزيرة، غطى وائل الدحدوح مع فريقه الحروب التي شهدها قطاع غزة جميعها، بدءا من 2008 وحتى 2023.
كما غطى عمليات اغتيال الاحتلال لشخصيات فلسطينية بارزة، على رأسهم قائدي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي عام 2004.
وإضافة لكونه مراسل الجزيرة في غزة، أنتج الدحدوح حلقات من برامج عدة في القناة نفسها، كما أنتج فيلما عن أنفاق المقاومة بالقطاع، وآخر عن عملياتها خلف خطوط جيش الاحتلال في عدوان 2014.
حصل وائل الدحدوح على جائزة التغطية المتميزة في مهرجان الإعلام الدولي الذي عقد بلندن في مايو/أيار 2013.
واختارته مجلة “كناك” البلجيكية، الشخصية الصحفية لعام 2023، وخصصت من عددها السنوي 6 صفحات، روت خلالها جانبا من حياته.
كما رشحه مجلس أمناء جوائز الصحافة المصرية، للحصول على جائزة حرية الصحافة، التي تقدمها نقابة الصحفيين المصريين لعام 2023.

اغتيال أسرة وائل الدحدوح
تأثر وائل الدحدوح بأجواء البيئة الزراعية التي نشأ فيها، فحرص على تكوين أسرة كبيرة، بدأها بزواجه من السيدة آمنة، التي أنجب منها 8 أبناء.
ومما يُظهر قيمة أسرته بحياته، قوله في حوار سابق إن “دور الأب مفقود في مهنتنا (الصحافة)، فعندما يحتاجك أولادك يفقدونك، وهذا شيء مؤلم جدا”.
وبسبب الحروب المتتالية على غزة، وزّع أبناءه بين 3 بيوت لأقاربه بالقطاع، “لعلهم يبقى منهم أحد حيا، لو استهدفهم الاحتلال” وفق حوار سابق معه.
غير أن ما كان يحذره تحقق في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ استهدف الاحتلال بيتا ضم عددا من أفراد أسرته بمخيم النصيرات وسط غزة، فاستشهدت زوجته وابنه وابنته وحفيده إضافة إلى ما يقرب 10 آخرين من أقاربه.
وعقب اغتيال أسرته، لم يستطع الدحدوح أن ينطق إلا بكلمات قليلة، أبرزها “معلش” التي تحولت إلى عنوان أغنية حققت انتشارا واسعا، بعد أن أطلقتها إذاعة “حُسنى”، من العاصمة الأردنية عمّان.
وبعد الواقعة، ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، أن وجه وائل الدحدوح أصبح مألوفا لدى المشاهدين، بسبب إطلالاته المتكررة على قناة الجزيرة.
وقالت الصحيفة إن الجمهور العربي لن ينسى سريعا صورة الدحدوح بسترة الصحافة، وهو يميل على جثمان نجله الملفوف بالكفن، أو خلال ضمه ابنته ذات الستة أعوام.
وأضافت أن استشهاد أفراد من أسرة الدحدوح، تسبب بموجة تعاطف معه على مواقع التواصل، ما يذكر بمشاعر الغضب التي أثارها اغتيال الاحتلال لمراسلة الجزيرة في الضفة الغربية شيرين أبو عاقلة في مايو/أيار 2022.
وإضافة لفقده بعض أفراد أسرته في عدوان 2023، فعلى مدار حياته، قدّم الدحدوح نحو 20 شهيدا من عائلته، بينهم إخوة وأبناء عمومة، قضى معظمهم بحروب واغتيالات نفذها الاحتلال.
نقل الصورة فبات الخبر
منذ بداية العدوان على القطاع عام 2023، لم يتزحزح مراسل الجزيرة في غزة عن تغطية الجرائم، فنقل الخبر ووثق الصورة التي أدانت الاحتلال وكشفت زيف مزاعمه بحماية المدنيين أو تحقيقه النصر على المقاومة.
هذا الدور الذي لعبه الدحدوح وغيره من الصحفيين، يفسر تعمد الاحتلال قتلهم في غزة، ما ذهبت إليه منظمة مراسلون بلا حدود، التي قالت: “تتعمد إسرائيل خنق عمل الصحفيين وقتلهم، وممارسة مختلف الطرق لإعاقتهم في الميدان”.
وخلال نحو 75 يوما من بدء العدوان في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتفع عدد الشهداء من الصحفيين في قطاع غزة إلى 97، وفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وكغيره من صحفيي غزة ممن ما زالوا على قيد الحياة، قتل الاحتلال بعض أفراد أسرته، غير أن الدحدوح قام بمجرد دفنه لهم، ليواصل تغطيته.
وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استهدف الاحتلال الدحدوح خلال تغطيته القصف، وكان رفقته مصور قناة الجزيرة سامر أبو دقة، ما أسفر عن إصابة الأول واستشهاد الثاني بعد أن بقي ينزف لساعات.
ورغم فقده بعض أسرته وإصاباته العديدة، ربط الدحدوح جرحه وأصر على إكمال مسيرته، فخرج في اليوم التالي يمسك “مايك” الجزيرة بيده، بينما الأخرى تلفها ضمادات، وقنية تروية (كانيولا) لم يكن قد أزالها بعد.
وبعد لحظات من مواراة جثمان أبو دقة؛ أجرى وائل الدحدوح مداخلة عبر قناة الجزيرة، كمراسل وضحية وشاهد عيان، ليروي أجواء وظروف مهمته الأخيرة، التي أنجزها رفقة مصوره وانتهت باستشهاده.
هذا الإصرار على التغطية، دفع مجلة “كناك” البلجيكية، لوصف الدحدوح في تقرير بعنوان “صحفيون مستهدفون في غزة”، أنه “أصبح محور الأخبار، بعد أن كان ناقلا لها”.
ووسط أعين الأطفال والكبار الذين باتوا يلتفّون حوله بشكل شبه دائم، ويحيطونه خلال انتقالاته ولقاءاته، يخرج الدحدوح عبر الشاشات، لنقل الواقع المأساوي في غزة.
ورغم عيشهم ذلك الواقع بالفعل وتعرضهم لما يتعرض له، تجدهم مطرقين لكلماته، لا تدري أيجدون فيها دفء المواساة والأمل، أم خشية أن يستهدفه الاحتلال مجددا!
مصادر البروفايل
- وائل الدحدوح.. صحفي اغتال الاحتلال أسرته بعد اغتيال طموحه العلمي
- ترشيح المراسل وائل الدحدوح لجائزة الصحافة المصرية
- Al Jazeera journalist who lost his family in Gaza airstrike returns to work
- خبر: “وائل الدحدوح” يفوز بجائزة دولية
- Who Is Wael Al-Dahdouh, Palestinian Journalist Injured In Khan Younis
- Wael Al-Dahdouh, le correspondant d’Al-Jazira à Gaza qui a appris la mort de sa femme et de deux de ses enfants en plein direct
- ارتفاع عدد الشهداء الصحفيين بغزة إلى 97 منذ بدء العدوان الإسرائيلي
- مراسلون بلا حدود تتهم إسرائيل بتحويل غزة إلى “مقبرة للصحافيين”

