صورة محمد الضيف قائد كتائب القسام كانت الأمر الوحيد المؤكد لدى سلطات الاحتلال، إذ أعلنت مرات عدة اغتياله أو مقتله، ليتبين لاحقا أنه بصحة جيدة، قبل أن تعلن المقاومة استشهاده نهاية يناير/كانون الثاني 2025.
الضيف الذي عرفه الكبير والصغير، استبشر به الفلسطينيون نصرا، واضطرب أمامه الاحتلال رعبا، أعلن في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إطلاق عملية طوفان الأقصى التي عدها مراقبون الأكبر والأعمق منذ حرب 1973.
العملية التي بدأتها كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وضعت إسرائيل تحت النار. وأسقطت مستوطنات بمنطقة غلاف قطاع غزة. وعبر البر والبحر والجو، انطلق جنود “الضيف” يسطرون عبورهم نحو مواقع الاحتلال.
بين الفلسطينيين، تردد شعار “إحنا رجال الضيف”، كما أطلقوا عليه “صوت المقاومة”، “صوت القسام”، “وزير الدفاع”. أما في إسرائيل فلقبوه بـ”رأس الأفعى” و”ابن الموت”، لوقوفه وراء عمليات عسكرية كبرى استهدفت الاحتلال.
خلال المظاهرات التي تخرج في الضفة الغربية، عادة تردد اسم الضيف، وسط مناشدات بإنقاذ الفلسطينيين والمقدسات بمدينة القدس المحتلة. حتى أن قوات الاحتلال كانت تطلب من الفلسطينيين عدم ذكر اسمه، غير أن ذلك لم يمنعه من سماع صوت فلسطين وإطلاق “طوفان الأقصى”.
محتويات البروفايل
من هو محمد الضيف؟
ولد محمد الضيف، واسمه الحقيقي محمد دياب إبراهيم المصري، عام 1965، لأسرة فلسطينية أجبرت على مغادرة قريتها (القبيبة)، الواقعة في الأراضي المحتلة عام 1948.
أسرة المصري التي خرجت دون مال أو متاع، استقرت في بداية الأمر بأحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. قبل أن تنتقل للإقامة بمخيم خان يونس، جنوبي قطاع غزة.
الفقر المدقع لأسرة الضيف، اضطره لترك الدراسة مؤقتا للمشاركة في إعالتها. فخرج مبكرا للعمل في مهن عدة، ليساعد والده الذي كان يعمل في أحد دكاكين الغزل والتنجيد.
وخلال سنوات شبابه الأولى، حاول الضيف توسيع عمله، فأنشأ مزرعة صغيرة لتربية الدواجن. ثم حصل على رخصة قيادة سيارات، في محاولة لفتح أبواب رزق جديدة.

حصل الضيف على بكالوريوس العلوم من الجامعة الإسلامية بغزة عام 1987. وخلال دراسته برز في العمل الدعوي والطلابي والإغاثي، كما تميز بالتمثيل المسرحي فأنشأ فرقة “عائدون” الفنية الإسلامية.
انتمى الضيف منذ الجامعة للفكرة الإسلامية، فانضم مبكرا إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان من أبرز ناشطي الكتلة الإسلامية. ونهاية 1987، تعرف عبر نشاطه بالمساجد، على حركة “حماس”، ليتشرب فكرتها، ويصبح أحد أبرز قادتها.
شهد له رفاقه في الحي الذي نشأ فيه بمخيم خان يونس، بأنه شخصية وديعة، وصاحب دعابة، وخفة ظل، وطيب القلب، إضافة إلى أنه يفضل العزلة، وفق وسائل إعلام عربية.
دخول محمد الضيف القسام
نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ومع بروز أدوار كتائب القسام على ساحة المقاومة الفلسطينية، التحق محمد الضيف بصفوفها، بعد أن نفذت عمليات عدة ضد أهداف إسرائيلية.
عقب ذلك، انتقل مع عدد من قادة القسام بقطاع غزة إلى الضفة الغربية، وأشرف فيها على تأسيس فرع للكتائب. ومع اغتيال القائد العسكري بالقسام عماد عقل عام 1993، برز الدور القيادي للضيف.
وخلال مسيرته في المقاومة، أشرف القائد العسكري محمد الضيف على عمليات عدة ضد الاحتلال، من بينها أسر الجندي الإسرائيلي نخشون فاكسمان عام 1994.
وبعد اغتيال مهندس المقاومة يحيى عياش في 5 يناير/كانون الثاني 1996، خطط الضيف لعمليات استشهادية انتقاما للقائد القسامي البارز، أوقعت عشرات القتلى في صفوف الاحتلال.
محمد الضيف قائد القسام
وفي 2002، تسلم القائد محمد الضيف القسام بعد اغتيال قائدها العام صلاح شحادة. وكشفت العمليات التي قادها منذ ذلك الحين، عن قدرته الكبيرة في التخطيط والتنفيذ، التي أقّضت مضاجع الاحتلال، وأوقعت مئات القتلى والجرحى.
وخلال معركة العصف المأكول عام 2014، وجه في تسجيل صوتي رسائل سياسية وعسكرية إلى أطراف داخلية وخارجية. وأتبع الكلمة تصويرا لعملية ناحل عوز، التي نفذتها القسام خلف خطوط جيش الاحتلال، وقتلت خلالها عددا من جنوده دون أي خسائر بصفوفها.
كما عاد اسم الضيف للواجهة مجددا عام 2021، وذلك مع تصاعد اعتداءات الاحتلال على القدس والأقصى، ومحاولته الاستيلاء على منازل فلسطينيين بحي الشيخ جراح، وتهجير سكانه قسرا.
ووجه الضيف حينها تحذيرا مباشرا للاحتلال، مشددا على أنه إذا لم يتوقف العدوان على الشيخ جراح، فإن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي. لينفذ تهديده في 10 مايو/أيار 2021، ويطلق عملية “سيف القدس” دفاعا عن الأقصى والشيخ جراح.
ليعزز الضيف نجاحاته في 2023، عبر قيادته معركة “طوفان الأقصى” النوعية، التي أسفرت عن مئات القتلى والجرحى في صفوف الاحتلال خلال ساعات. كما أسقطت عددا من المستوطنات في منطقة غلاف قطاع غزة بأيدي المقاومة.
صورة محمد الضيف
محمد الضيف قائد القسام، الذي لا يعرف مكانه سوى دائرة ضيقة جدا، وسط مطاردات قوات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ عقود، التي تتعامل معه على أنه “المطلوب رقم 1”.
ورغم أدواره في صفوف المقاومة، فإن صورة محمد الضيف الوحيدة المنسوبة إليه يظهر أنها قبل عقود، أما بقية الصور فلا يظهر فيها إلا ملثما أو بظله فقط.
وحتى سلطات الاحتلال التي تتباهى بامتلاكها أفضل أجهزة الاستخبارات والتجسس بالعالم، لا تملك صورة حديثة لوجهه.
برزت قدرته المتميزة على التخفي، خلال جنازة والدته في يناير/كانون الثاني 2011، إذ حضر عدد كبير من قيادات “حماس” الجنازة. فيما لم يعرف أحد إن كان الضيف قد حضرها أم لا، بل إنه تردد حينها، أنه حضر ولم يعرفه أحد.
ومنذ عقود، لم يظهر الضيف في أماكن عامة، لدرجة أنه وفق أهالي غزة “إن ظهر فلن يعرفه أحد”. فهو لا يحب الظهور، ولا يستخدم التكنولوجيا. وخلال جميع العمليات السابقة، فنادرا ما اضّطر لبث رسائل صوتية، لأهداف متعلقة غالبا بإثبات بقائه على قيد الحياة.
استشهاد محمد الضيف
الحس الأمني العالي، الذي تميز به محمد الضيف، ربما يفسر فشل قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو قوات السلطة الفلسطينية في الوصول إليه مرات عدة. رغم أنه يعد المطلوب الأول لدى إسرائيل، التي تعمل ليل نهار على تعقبه وتصيد الفرصة للإيقاع به.
وقبل بروز اسمه وتوليه قيادة القسام، أسَرت إسرائيل الضيف عام 1989. وقضى حينها عاما ونصف العام في سجون الاحتلال دون محاكمة، بتهمة العمل في الجهاز العسكري (القسام) لحركة حماس.
كما اعتقلته السلطة الفلسطينية في مايو/أيار 2000، بطلب من إسرائيل. وتذكر مواقع عربية، أن ذلك الاعتقال كان ضمن تفاهمات، إذ كانت علاقته برئيس السلطة الراحل ياسر عرفات جيدة.
عقب الإفراج عنه، تعرض لمحاولة الاغتيال الأولى عام 2001 التي انتهت بالفشل. وفي العام التالي لها جرت المحاولة الثانية، عبر استهدافه بصاروخين إسرائيليين، أدى أحدهما لإصابته. وعالجه حينها قائد حماس الطبيب الشهيد عبد العزيز الرنتيسي، الذي اغتالته إسرائيل عام 2004.
وفي 2003، حاولت طائرة مقاتلة تابعة لقوات الاحتلال اغتيال محمد الضيف وعدد من قادة “حماس”. وذلك خلال اجتماع لهم في منزل بمدينة غزة، لكن الصاروخ أصاب الطابق الخطأ.
وبعد 3 سنوات، أصاب صاروخ شديد الانفجار منزلا كان الضيف يجتمع فيه مع قادة بكتائب القسام، لتنتهي المحاولة بالفشل مجددا. وفيما قالت إسرائيل إنه أصيب بجروح بالغة، وادعت أنه بات مقعدا وفقد إحدى عينيه، فإن “حماس” لم تؤكد أو تنف الادعاء.
وخلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، تعرض الضيف لمحاولة الاغتيال الخامسة. ورغم نجاته منها إلا أنها أدت إلى استشهاد زوجته وطفله الرضيع خلال وجودهما في منزل بحي الشيخ رضوان شمالي القطاع.
وبعد أكثر من 70 يوما على العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ذكر إعلام عبري أن محمد الضيف “في وضع صحي جيد” ويتحرك على قدميه دون مساعدة أو كرسي متحرك.
وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن الأجهزة الأمنية للاحتلال لديها مقاطع فيديو تظهر الضيف بصحة جيدة، رغم تقديراتها السابقة التي ادعت أنه فقد قدرته على الحركة الطبيعية، بسبب إحدى محاولات الاغتيال التي تعرض لها.
قبل أن يعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في 13 يوليو/تموز 2024، أن غارة إسرائيلية على منطقة المواصي (شمال شرق رفح) استهدفت القيادي في القسام محمد الضيف ونائبه رافع سلامة، مشيرا إلى أنه لا يعلم مصير الضيف.
وفي 30 يناير/كانون الثاني 2025، أعلن المتحدث باسم كتائب القسام “أبو عبيدة” النبأ الحزين، وقال “نزف إلى أبناء شعبنا العظيم استشهاد قائد هيئة أركان كتائب القسام محمد الضيف”.
مصادر البروفايل
- Profile: Hamas commander Mohammed Deif
- Mohammad Deif – Head of the Armed Wing
- Who Is Mohammed Deif
- محمد الضيف يعلن إطلاق عملية “طوفان الأقصى”: إطلاق 5 آلاف صاروخ وقذيفة
- Hamas Confirms: Mohammed Deif is Still Alive
- 13 مايو.. «عيّاش 250» ينطلق بأمر من «الضيف» (فيديو)
- الاحتلال يفشل في اغتيال الضيف للمرة الخامسة
- موكب جنائزي مهيب لوالد قائد أركان القسام في غزة محمد الضيف
- فيديو جديد لقائد أركان “القسام” محمد الضيف
- عامان على معركة سيف القدس.. وسيفها لا زال مشرعاً
- صحة محمد الضيف تكشف إخفاقا استخباراتيا إسرائيليا جديدا

