كريم بنزيمة.. كرة ذهبية تكشف معدن أوروبا الحقيقي

لاعب سابق بنادي ريال مدريد
صورة كريم بنزيمة الحاصل على الكرة الذهبية

محاولات عديدة لليمين المتطرف الفرنسي لتشويه صورة كريم بنزيمة اللاعب العالمي الشهير بعد إعلانه التضامن مع قطاع غزة. ووصل الأمر إلى مطالبات بمحاكمته وتجريده من الجنسية ومن جوائز رياضية بارزة مثل الكرة الذهبية.

الهجمة التي استهدفت تشويه صورة كريم بنزيمة لم تكن الأولى، إذ سبقتها هجمات أخرى، واتهامات بالخروج عن القيم والمبادئ الفرنسية. وكان من بينها مطالبات من رموز سياسية فرنسية بأن “يعود إلى وطنه الأم الجزائر” ليمثله ويلعب فيه.

وعادة ما يستغل العنصريون من السياسيين الفرنسيين النماذج الناجحة من المهاجرين المسلمين للتهجم عليهم لتحقيق مكاسب سياسية لا سيما بأوقات الانتخابات.

إضافة إلى وجود تيار واسع بين المسؤولين والسياسيين الفرنسيين مؤيد للاحتلال الإسرائيلي ولا يرغب بخروج أي صوت داعم لفلسطين.

من هو كريم بنزيمة؟

ولد كريم مصطفى بنزيمة، في 19 ديسمبر/كانون الأول عام 1987، بمنطقة بلدية برون، الواقعة ضمن ضواحي مدينة ليون، جنوب العاصمة الفرنسية باريس.

ينتمي كريم بنزيمة لأسرة جزائرية الأصل، إذ هاجر جده لأبيه من مدينة تقزيرت، بولاية تيزي وزو، إلى فرنسا في خمسينيات القرن العشرين. كما ترجع أصول والدته إلى مدينة وهران بالجزائر، وله 7 إخوة وأخوات.

خطى أولى خطواته في حي تيرايون الشعبي، ببلدية برون، الذي بُني أغلب منازله في ستينيات القرن الماضي، ضمن برامج الإسكان الاجتماعي.

يعيش في الحي مئات الآلاف من المهاجرين الجزائريين، الذين فرَّوا من بلادهم عقب انتهاء حرب الاستقلال في 1962. بعضهم ممن ساندوا الحكم الفرنسي للجزائر وعارضوا الاستقلال. فيما وجد البعض الآخر فرنسا ملاذا له من العنف وأهوال الحرب.

وعن ديانة كريم بنزيمة، فهو مسلم، يقوم بما يقوم به المسلمون من عبادات. وسبق أن تداول ناشطول صورة كريم بنزيمة مرتديا الإحرام خلال أدائه العمرة.

صورة كريم بنزيمة خلال طفولته
كريم بنزيمة ضمن ناشئي نادي برون تيرايلون عام 1995 (مواقع تواصل)

بين أزقة الضاحية ومنتخب الديوك

حكاية “كوكو” الصغير، كما كان إخوة كريم بنزيمة وأصحابه يطلقون عليه، بدأت بين شوارع وأزقة ضاحية برون. فتقول والدته: “كان مولعا بكرة القدم منذ كان طفلا، كان يلعب لساعات داخل المنزل ويسبب الضجيج”. ما اضطررها لشراء كرة من قماش حتى يلعب دون ضجيج.

ومع سنين مراهقته الأولى، بدأ كريم بنزيمة ممارسة كرة القدم في النوادي الرياضية بفرنسا، فالتحق بفريق ناشئي نادي برون تيرايلون عام 1995. ومنه انتقل إلى أكاديمية نادي ليون الرياضية، قبل أن يختاره الفريق الأول بالنادي عام 2004.

وطوال 148 مباراة، شارك فيها اللاعب الفرنسي مع نادي ليون، سجّل 66 هدفا، وأجرى 27 تمريرة حاسمة. وخلال وجوده حصل الفريق على لقب الدوري الفرنسي أكثر من مرة، كما نال بنزيمة جائزة أفضل لاعب في البطولة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2006، دعت الاتحادية الجزائرية كريم بنزيمة للالتحاق بالفريق الوطني، لكنه اعتذر وقرر اللعب مع المنتخب الفرنسي.

وظهر بنزيمة مع المنتخب الفرنسي للمرة الأولى في مباراة ضد منتخب النمسا في مارس/آذار 2007، ليحرز 37 هدفاً خلال مسيرته الدولية.

شارك في كأس العالم 2014، كما خاض 97 مباراة دولية مع منتخب “الديوك”، قبل أن ينهي مسيرته عام 2022، بسبب خلافات مستمرة مع المدرب ديدييه ديشان.

واشتكى بنزيمة من العنصرية تجاهه خلال لعبه في المنتخب الفرنسي، فقال: “حين أسجل (أهدافا) أنا لاعب فرنسي، وحين أفشل في التسجيل، أصبح لاعبا عربيا”.

نجم كروي يتلألأ بسماء ريال مدريد

ببلوغه 21 عاما، سطع نجم كريم بنزيمة في فرنسا، ما جذب إليه أنظار النوادي العالمية، ومن بينها ريال مدريد الإسباني، الذي ضمه إلى صفوفه في يوليو/تموز 2009. لينجح اللاعب الفرنسي المسلم في تدوين اسمه بالسجلات التاريخية للنادي الملكي.

ومع ريال مدريد، شارك بنزيمة في 648 مباراة، سجل خلالها 354 هدفا، وصنع نحو 170 آخرى. وعلى سلم الترتيب التاريخي لهدّافي النادي، يقف بنزيمة بالدرجة الثانية، خلف النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو.

وخلال لعبه مع ريال مدريد، عاش كريم بنزيمة واحدة من أشد أزمات حياته، ففي أواخر 2015 أصبح طرفا رسميا في القضية المعروفة باسم “الشريط الجنسي”، التي اتهم فيها بالمشاركة في ابتزاز زميله ماتيو فالبوينا لكي لا يجرى نشر فيديو جنسي ظهر فيه الأخير.

وحقق اللاعب الفرنسي مع النادي الإسباني 25 لقبا، وهو رقم قياسي في ريال مدريد، من بينها خمس مرات بكأس العالم للأندية، وثلاث مرات ببطولة كأس الملك الإسبانية السنوية. إضافة إلى تحقيقه دوري أبطال أوروبا، وكأس السوبر الأوروبي، والدوري الإسباني.

كما حصد كريم بنزيمة، جائزة هدّاف “لا ليغا”، وهدّاف “تشامبيونزليغ”، في موسم 2022/2021. وفاز بجائزة الكرة الذهبية، التي تمنحها مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية. بعد قيادته ريال مدريد للفوز بدوري أبطال أوروبا 2022 بتسجيله 15 هدفا في البطولة.

رحيل صادم عن ريال مدريد

بعد 14 عاماً قضاها كريم بنزيمة بين لاعبي فريق ريال مدريد، أعلن النادي مطلع يونيو/حزيران 2023، مغادرته. معبرا في بيان عن امتنانه وعاطفته تجاه أحد أعظم أساطير النادي الملكي.

وأضاف بيان النادي عن بنزيمة، أن “عشاق ريال مدريد وجميع المعجبين حول العالم، استمتعوا بأسلوبه الساحر والفريد في لعب كرة القدم. الذي جعله أحد أعظم أساطير نادينا وأحد أعظم الأساطير في عالم كرة القدم”.

وختم بأن “ريال مدريد هو بيته (بنزيمة) وسيبقى كذلك دائما، ونتمنى له ولعائلته أفضل الأمنيات في المرحلة الجديدة من حياته”.

وفي 4 من الشهر نفسه، لعب كريم بنزيمة مباراته الأخيرة مع ريال مدريد ضد فريق أتليتيك بلباو، وهي أيضا آخر مباراة خاضها النادي في الدوري الإسباني لعام 2022-2023.

وبالتزامن مع إعلان خروجه من النادي الإسباني، أعلنت قناة “الإخبارية” السعودية، عن توقيع كريم بنزيمة عقدا، يلعب بموجبه لمدة موسمين، مع نادي الاتحاد السعودي.

تضامن كريم بنزيمة مع غزة

مع اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي راح ضحيته آلاف القتلى والجرحى، أعلن كريم بنزيمة تضامنه مع القطاع.

وكتب بنزيمة في 15 من الشهر نفسه، رسالة دعم للشعب الفلسطيني، قال فيها: “كل صلواتنا لأجل سكان غزة، ضحايا مرة أخرى لهذا القصف الظالم الذي لم يسلم منه نساء ولا أطفال”.

ورغم أن منشوره عبر منصة “إكس”، مر في البداية دون أن يلحظه أحد، فإنه أثار لاحقا عاصفة شديدة من الانتقادات، بسبب مخالفته التوجه الغربي الرسمي الداعم للاحتلال.

موجة الانتقادات، قادها وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، الذي اتهم بنزيمة بأن له “صلات بجماعة الإخوان المسلمين”.

وقال الوزير إن اللاعبين المشهورين مثل بنزيمة “لديهم مسؤولية وتأثير على الشباب، كان من الممكن أن يدفعه إلى أن يكون أكثر إنصافا”.

ولم يكن لتصريحات الوزير أي صدى في فرنسا، حتى نشرتها وسائل إعلام إسبانية. وبررت مصادر من وزارة الداخلية الفرنسية، الاتهامات التي وجهها دارمانان بأن تصرفات اللاعب مؤخرا تشكّل “إنجرافا نحو إسلام متشدد وصارم”.

مطالبات سحب الجنسية الفرنسية

وبعد الوزير، طالبت النائب في مجلس الشيوخ الفرنسي فاليري بوايي بحرمان كريم بنزيمة من الجنسية الفرنسية، وسحب الكرة الذهبية منه.

كما هاجمته الوزيرة الفرنسية السابقة نادين مورانو، وقالت خلال لقاءات إعلامية، إن بنزيمة اختار معسكره. مدعية أنه بات “عميلا للبروباغندا (الدعاية) التي تمارسها (حركة المقاومة الإسلامية) حماس، التي تهدف هي الأخرى لتحطيم إسرائيل”.

واستنكرت مورانو، وهي من الأسماء المهمة داخل حزب الجمهوريين، عدم اتخاذ كريم بنزيمة أي خطوة تضامنية مع من سمتهم بـ”ضحايا حماس من الإسرائيليين”.

وفي السياق نفسه، قال السياسي اليميني المتطرف جون مسيحة، إن “بنزيمة يشعر بالارتباط بالأمة الإسلامية أكثر من فرنسا، وهو مثل الكثيرين، فرنسي على الورق فقط”.

ورغم هذا المنحى التخويني، والاتهامات غير المسبوقة، للاعب الفرنسي المسلم، فإنه لم يرد بأي منشور أو حديث إعلامي، بل قرر مقاضاة مهاجميه قانونيا ورفع دعاوى ضدهم.

صورة كريم بنزيمة لدى السياسيين

وعلى خط الجدل بشأن اتهامات وزير الداخلية الفرنسي التي وجهها إلى كريم بنزيمة بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، أدلت زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي رئيسة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان بدلوها.

وقالت لوبان، المرشحة الخاسرة في انتخابات الرئاسة أمام إيمانويل ماكرون في 2017 و2022، إن ما صرح به الوزير الفرنسي “تضليل”. وفي الوقت نفسه اتهمت هداف ريال مدريد السابق بـ”مجاملة الإسلام المتطرف”.

وقال غوردان بارديلا المساعد الأول لمارين لوبان في حديث لشبكة “بي إف إم” الفرنسية: “يجب أن نميز بين وظيفة الفرد وأفكاره، بنزيمة كان أحد أفضل لاعبي كرة القدم في فرنسا، لكنه يدعم الإسلاميين”.

جاء حديث بارديلا، بعد صورة كريم بنزيمة، التي نشرها بنزيمة عبر حسابه على إنستغرام، ظهر فيها بالثوب السعودي، وإلى جانبه علم السعودية بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للمملكة.

تهجم مارين لوبان وحزبها عليه، يذكر بتهجم ابنة أختها على اللاعب نفسه، في يونيو/حزيران 2016. إذ دعت النائبة السابقة ماريون ماريشال لوبان، كريم بنزيمة بأن “يلعب لمنتخب بلاده (الجزائر)”.

جاء تهجم ماريون ماريشال، بعد أن اتهم بنزيمة مدربه حينها ديديه ديشان، بأنه “تنازل” أمام ضغط “فرنسا العنصرية” وأبعده عن تشكيلة نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2016.

ونقل موقع “آر إم سي” الفرنسي الرياضي، عن مصادر في وزارة الداخلية الفرنسية، إلى وجود “حالات عدة تورط فيها بنزيمة”. وذكرت من بينها: “رفضه غناء النشيد الوطني الفرنسي في المباريات مع فرنسا. و”دعواته على شبكات التواصل الاجتماعي لصالح المسلمين”.

كما أشارت المصادر، إلى صورة كريم بنزيمة بجوار نور الدين مأمون، الذي حققت معه السلطات بعد قنل أحد المراهقين الشيشانيين، المدرس صموئيل باتي عام 2020، بعد عرضه صورا كاريكاتورية ساخرة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وكان بنزيمة قد رفع دعاوى قضائية، بينها في مايو/أيار 2022، ضد السياسي الفرنسي من اليمين المتطرف داميان ريو، العضو في حزب إريك زمور. اتهمه فيها بالتشهير، بعد أن اتهمه السياسي بـ”الإرهاب” عبر منصات التواصل.

أثر الهجوم على كريم بنزيمة

عن إمكانية سحب الجنسية الفرنسية من كريم بنزيمة، قال قانونيون إنه لا يمكن سحبها حسب القوانين الفرنسية، التي تشترط ثلاثة عناصر لسحبها، وهي الحصول على جنسية دولة أخرى، والتعامل كمواطن من هذه الدولة، وارتكاب أفعال تتعارض مع مصالح فرنسا.

ونقلت مواقع عربية عن قانونيين فرنسيين، أن بنزيمة لا يحمل سوى الجنسية الفرنسية، ولا يمكن سحبها منه لأن ذلك سيحوّله لعديم الجنسية. خاصة أنه لم يرتكب أفعالا تتعارض مع مصالح بلاده، وكل الاتهامات الموجهة إليه تستند لموقفه السياسي والإنساني فقط.

وعن إمكانية سحب الكرة الذهبية من كريم بنزيمة، أجاب موقع “آر إم سي”، أنه لا يوجد ما يمنع سحبها منه. واستدرك أنه لا يوجد أيضا ما يجعل ذلك ممكنا، إذ تركز معايير الجائزة على الأداء الرياضي فقط، ولا ترتبط بأمور إضافية.

وأكد الموقع أنه لم يسبق سحب الكرة الذهبية من أي لاعب، رغم إدانة بعض الفائزين بها أو استجوابهم في قضايا مختلفة. ومنهم الأرجنتيني ليونيل ميسي، والكرواتي لوكا مودريتش، والبرازيلي رونالدو نازاريو، والبرتغاليان لويس فيغو وكريستيانو رونالدو.

مصادر البروفايل

اكتشاف المزيد من بروفايلات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading