عبدالفتاح البرهان.. جنرال سوداني يناقض نفسه

صورة عبدالفتاح البرهان

عند النظر إلى سيرة رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان منذ برز اسمه، تجده يتخذ الموقف ونقيضه. فرغم أنه الحاكم الفعلي للسودان منذ عزل الرئيس عمر البشير عام 2019، فإنه عادة ما تتعارض مواقفه وتصريحاته.

وقبل اندلاع الحراك الشعبي الذي أدى لوصوله إلى السلطة، كان الرجل مقربا من البشير وموضع ثقته. أضف إلى ذلك أن سيرة عبدالفتاح البرهان مليئة بالمواقف التي تراجع عنها، في علاقاته مع القوى المدنية، والإسلاميين، وشركاء الحكم.

سيرة عبدالفتاح البرهان

هو عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن البرهان،‎ وُلد عام 1960، في قرية قندتو، وهي من قرى ولاية نهر النيل، شمالي السودان. “قندتو” التي ينتمي معظم سكانها لقبيلة الشايقية، تبعد عن الخرطوم نحو 173 كيلومترا، وتعد مدينة شندي التاريخية أقرب المدن إليها.

والده هو البرهان عبدالرحمن البرهان، ووالدته صفية الصديق، التي يعود نسبها للشيخ علي الحفيان، أحد شيوخ الصوفية في السودان. أما جده فهو عبدالرحمن البرهان، المدفون في مدينة العيدج، وسط السودان، ويعد قبره أحد مزارات الصوفية في البلاد.

عبدالفتاح البرهان واحد بين 9 إخوة وأخوات أشقاء، كما أن له إخوة وأخوات غير أشقاء من زوجة والده الثانية. أسرته تنتمي إلى “الطريقة الختمية”، وهي إحدى الطرق الصوفية الكبرى في السودان.

والطريقة الختمية كان لها دور فاعل في على الساحة السياسية في السودان، ويمثلها الحزب الاتحادي الديمقراطي.

عبدالفتاح البرهان متزوج من فاطمة سليمان، ولديه منها 3 أبناء، ولدان وبنت.

التكوين العسكري

درس عبدالفتاح البرهان المرحلتين الابتدائية والإعدادية بمدارس قريته، انتقل بعدها إلى مدينة شندي ليكمل دراسته الثانوية. التحق بالكلية الحربية السودانية، وتخرج في الدفعة الـ31، كما تلقى تدريبات عسكرية في كل من مصر والأردن.

بعد تخرجه في الكلية الحربية، عمل في الجيش السوداني وتنقل بين وحداته في العاصمة الخرطوم. عيّن بعد ذلك قائدا لقوات حرس الحدود، ثم تدرج ليصبح نائبا لرئيس أركان عمليات القوات البرية، وأصبح بعدها رئيسها.

شارك ضمن الجيش في حرب دارفور، وفي الحرب الأهلية السودانية الثانية، قبيل انفصال الجنوب عام 2011. كما خاض عديد عمليات خلال عمله ضابطا بسلاح المشاة، وعمل مدربا في معاهد عسكرية بمنطقة جبيت، بولاية البحر الأحمر، شرقي البلاد.

تولى العديد من المناصب الأخرى، من بينها ملحقا عسكريا في الصين. وأشرف على القوات السودانية في اليمن بدءا من 2015، بالتنسيق مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

مشاركته في حرب اليمن، ضمن ما يعرف بـ”التحالف العربي” الذي تقوده الرياض وتشارك به أبوظبي، جعلته يقضي الفترة قبل 2019 متنقلا بين اليمن والإمارات.

صورة عبدالفتاح البرهان وعمر البشير
البشير رقّى البرهان قبل أقل من عام على اندلاع الاحتجاجات في السودان (مواقع)

العلاقة مع البشير

لم تكن سيرة عبدالفتاح البرهان تذكر بالمشهد السياسي السوداني، إذ عُرف بأنه عسكري مُنضبط مؤيد بشكل وثيق للرئيس السوداني حينها عمر البشير. حتى أن البشير رقاه في 26 فبراير/شباط 2018، من رتبة فريق ركن، إلى فريق أول، وعينه مفتشا عاما للجيش.

كما عرض عليه البشير، أن يتولى منصب الوالي على إحدى الولايات، لكنه رفض بحجة ابتعاده عن الخوض في العمل السياسي، وفق تقارير صحفية.

وبعد اندلاع الاحتجاجات ضد البشير في ديسمبر/كانون الأول 2018، ظهر البرهان في صفوف المعتصمين بساحة القيادة العامة. إحدى المرات حين ظهر يتحدث إلى الرئيس السابق لحزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ، وسط هتافات تطالب بإسقاط النظام.

وذكرت مواقع عربية أن البرهان كان بين القيادات التي أبلغت البشير بعزله، وأنه أول من وصل مقر الإذاعة والتلفزيون السوداني قبل قراءة بيان الجيش.

وفجر 11 أبريل/ نيسان 2019، أعلن وزير دفاع السودان عوض بن عوف، اعتقال البشير، وتشكيل مجلس عسكري لقيادة البلاد لمدة عامين. وبرحيل البشير، تولى ابن عوف رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، غير أنه استقال بعد يوم واحد فقط، بسبب ضغط الشارع.

واختار ابن عوف، البرهان خليفة له، ليؤدي اليمين الدستورية في 12 أبريل/نيسان 2019، رئيسا للمجلس العسكري. أما البرهان، فقد اختار في اليوم التالي ترقية قائد قوات الدعم السريع حميدتي، إلى رتبة فريق أول، وتعيينه نائبا له.

اعتصام القيادة العامة

خلال رئاسة البرهان للمجلس العسكري، وقعت واحدة من أسوأ المجازر بحق المحتجين السودانيين، وهي “مجزرة فض اعتصام القيادة العامة”. فرغم الإطاحة بالبشير وتسلم المجلس العسكري الحكم في البلاد استمر اعتصام المتظاهرين، للمطالبة بالحكم المدني ورفض الحكم العسكري.

وحاولت قوات عسكرية، بالتعاون مع الدعم السريع (التي يقودها حميدتي)، فض الاعتصام بالقوة، في 3 يونيو/حزيران 2019. فض الاعتصاد أسفر عن مقتل عشرات المعتصمين، ذكرت مصادر أن عددهم وصل إلى 128 قتيلا، إضافة لمئات الجرحى والمفقودين.

واتهم معارضون القوى العسكرية بمحاولة “إخفاء الجريمة عبر رمي الجثث في نهر النيل، لكن الأمر كُشف واستخرجت الجثث من النهر”. غير أن البرهان نفى بشدة، ضلوع أي فرد في المجلس العسكري في المجزرة، سواء بالدعوة أو التخطيط أو التنفيذ.

في المقابل، نقلت مواقع عربية، عن مصادر سودانية، أن سيرة عبدالفتاح البرهان في السودان، أنه أحد الضباط من الرتب الرفيعة، التي ساهمت في حماية المعتصمين، بمحيط القيادة العامة.

وشكلت السلطات لجنة للتحقيق في الواقعة، لكنها لم تتمكن من تسليم خلاصة ما وصلت إليه إلى الجهات المختصة، كما توقف عملها بعد ثلاث سنوات.

رئيس مجلس السيادة

ومع استمرار الاحتجاجات والعنف في الشارع، وقّع المجلس العسكري برئاسة البرهان، اتفاقا مع الحراك المدني بقيادة “ائتلاف قوى الحرية والتغيير”. سمي الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه في أغسطس/آب 2019 بـ”الوثيقة الدستورية”، التي تضمنت عددا من البنود.

ومن بين البنود: بدء مرحلة انتقالية، يكون الحكم فيها خاضعا لما يعرف باسم “مجلس السيادة السوداني”. حينها تكون المجلس الذي قاده عبدالفتاح البرهان، من 11 شخصا، 5 مدنيين و5 عسكريين يختارهم المجلس الانتقالي.

وفي 21 أغسطس/آب 2019، أدى البرهان اليمين الدستورية أمام مجلس القضاء لمنصب رئيس مجلس السيادة، وعُيّن عبدالله حمدوك رئيسا للوزراء. وكان الاتفاق يستهدف أن يسلم مجلس السيادة برئاسة البرهان، السلطة للمدنيين، بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

“الانقلاب على حمدوك”

مع اقتراب موعد تسليم السلطة للمدنيين نهاية 2021، بدا أن البرهان متردد أو تراجع عن تسليمها، فطالب حمدوك بحل الحكومة. ومع تصاعد التوترات، وصل المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي (حينها) جيفري فيلتمان، إلى السودان 24 أكتوبر/تشرين الأول 2021. 

ورغم الخلافات مع المدنيين وحمدوك، لم تظهر سيرة عبدالفتاح البرهان وتصريحاته لمن حوله، إمكانية تنفيذه أي خطوات للاستيلاء على السلطة.

وبعد ساعات من مغادرة المبعوث الأمريكي للخرطوم، أعلن البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، سلسلة إجراءات عبر بيان تلفزيوني. الإجراءات تضمنت إعلان حالة الطوارئ، وحل كل من مجلس السيادة والحكومة الانتقالية، وتعليق العمل بمواد من الوثيقة الدستورية.

بالتزامن مع ذلك، أعلن مكتب حمدوك، أن قوة عسكرية “اختطفت” رئيس الحكومة وزوجته، واصطحبتهما إلى جهة غير معلومة. كما اعتقل الجيش معظم أعضاء الحكومة السودانية، وعددا من المسؤولين والعاملين في قطاع الإعلام.

يأتي هذا رغم تأكيدات البرهان السابقة العديدة، أن “القوات المسلحة، لن تسمح بأي انقلاب على ثورة الشعب”.

في الشارع، هتف متظاهرون ضد البرهان رفضا لاستمرار “حكم العسكر”، ووصفوا إجراءاته بـ”الانقلاب”. في المقابل قال آخرون مؤيدون لإجراءاته، إن البرهان المنقذ الذي “سيحل كل مشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية”.

وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أكد حميدتي أن إجراءات البرهان قبل أسبوعين، جاءت “لتصحيح مسار ثورة الشعب”. وفي 12 من الشهر ذاته، عين البرهان نفسه رئيسا لمجلس سيادة جديد، ووعد بإجراء أول انتخابات حرة في السودان.

وبعد أيام، توصل البرهان وحمدوك إلى اتفاق سياسي بمبادرة وطنية، وقعت عليها أطراف سياسية واجتماعية في 21 من الشهر نفسه. الاتفاق نص على عودة حكومة حمدوك، وتفعيل الشراكة بين المدنيين والعسكريين لاستكمال الفترة الانتقالية وتكوين حكومة تكنوقراط.

علاقات البرهان الخارجية

بعد انهيار المحادثات بين المحتجين والمجلس الانتقالي، أجرى البرهان وحميدتي زيارات إلى مصر والإمارات والسعودية، في مايو/أيار 2019. كما زار البرهان مصر في 29 أغسطس/آب 2023، والتقى الرئيس عبدالفتاح السيسي بمدينة العلمين (شمال).

وتعد دول الخليج من بين الجهات المانحة الأساسية للسودان، وفور سقوط البشير، أودعت 500 مليون دولار في البنك المركزي بالخرطوم. وكانت الوديعة جزءا من حزمة مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار، تهدف “للحفاظ على نفوذ دول الخليج في السودان”، بحسب “فرانس برس”.

كما عزز البرهان علاقات السودان مع قوى عالمية ولاعبين إقليميين، بما في ذلك واشنطن وإسرائيل. فالتقى في فبراير/شباط 2020، رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها بنيامين نتنياهو، في أوغندا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2020، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب توصُّل السودان وإسرائيل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما. وأرجع البرهان توقيع الاتفاق مع إسرائيل إلى “اقتناع الحكومة بأهمية نشر قيم التسامح والتعايش بين الشعوب بمختلف أديانهم وأعراقهم”.

وعقب إقالة حمدوك، أشارت وسائل إعلام عبرية، إلى أن تطورات السودان ستؤثر على دفع عملية التطبيع مع إسرائيل. وذكرت أن حمدوك والمدنيين لم يكونوا متحمسين للتطبيع، على عكس العسكريين بقيادة البرهان، الذين يدفعون لتنفيذ الاتفاقية.

وفي السياق نفسه، نقلت حينها صحيفة “إسرائيل هيوم”، عن مصدر إسرائيلي، أنه “في الوضع الحالي، يفضّل دعم البرهان لا حمدوك”.

خلاف البرهان وحميدتي

لم يكد عبدالفتاح البرهان ينهي خلافه مع حمدوك، حتى برز خلاف مع شريكه العسكري حميدتي، رغم تعاونهما السابق.

وقال ويلو بيرريدج، مؤلف كتاب “الانتفاضات المدنية في السودان الحديث”، إن البرهان عمل في اليمن عن كثب مع قوات الدعم السريع. وذكر بيريدج، المحاضر في التاريخ بجامعة نيوكاسل بإنجلترا، أنه بدعم من قوات الدعم السريع، تولى البرهان أعلى منصب في السودان 2019.

وبالنظر إلى سيرة عبدالفتاح البرهان، يظهر أن بوادر خلاف وتنافس مع حميدتي ترجع إلى أكتوبر/تشرين الأول 2021. إذ بدأ كل منهما حشد الدعم الإقليمي والدولي لنفسه، لا سيما حميدتي الذي حاول الابتعاد عن “الانقلاب” والاكتفاء بدعم الشارع.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2022، وقع الجيش ممثلا في البرهان، اتفاقا أوليا بوساطة دولية مع قوى مدنية لإنهاء الأزمة السياسية.

الاتفاق، الذي تضمن مرحلة انتقالية جديدة تنتهي بتشكيل حكومة في يوليو/تموز 2023، لم يلب مطالب بعض قوى الشارع أو حميدتي. إذ قال حميدتي في فبراير/شباط 2023، إن “الانقلاب على السلطات المدنية قبل عامين كان خطأ أفاد سياسيا أنصار البشير”.

تراجع حميدتي عن تأييد إجراءات البرهان في 2021، جاء على ما يبدو ردا على تصريح للأخير في 16 من الشهر نفسه. وقال البرهان في تصريحه، إن مغادرة الجيش للحياة السياسية وتشكيل حكومة مدنية، مرهونان بتنفيذ شروط الاتفاق وأهمها دمج الدعم السريع.

وفي محاولة لاحتواء الخلاف، عقدت “اللجنة الرباعية” ورشة “الإصلاح الأمني والعسكري” في السودان مارس/آذار 2023. وانتهت اللجنة، المكونة من أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات، من دون توصيات نهائية، لا سيما بمسألة دمج الدعم السريع.

وفي أبريل/نيسان 2023، نشب الخلاف مجددا بين الطرفين، بشأن عدد من النقاط المتعلقة بآلية دمج قوات الدعم السريع. وتضمنت نقاط الخلاف: الجدول الزمني لدمج الدعم السريع، ومنصب القائد العام للجيش خلال فترة الاندماج، ومكانة ضباط الدعم السريع في الجيش.

الخلاف أدى إلى تمركز قوات الدعم السريع، قريبا من مطار مدينة مروي شمالي السودان، في 13 أبريل/نيسان 2023. في المقابل، عززت قوات الجيش النظامي بقيادة البرهان انتشارها بالمنطقة نفسها، لتندلع مواجهة مفتوحة ومستمرة منذ ذلك الحين في مدن السودان.

وخلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2023، زار البرهان كلا من مصر وجوبا. وتذكر تقارير أن الزيارتين جاءتا بحثا عن وساطات للتفاوض بينه وبين حميدتي، وإيجاد حلّ للنزاع.


مصادر البروفايل

اكتشاف المزيد من بروفايلات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading