مصطفى الفرجاني.. مستشار عسكري نافذ في قصر قرطاج

مستشار الرئيس التونسي قيس سعيد
صورة المستشار مصطفى الفرجاني مستشار قيس سعيد

“ضابط الإيقاع” هكذا يمكن وصف الدور الذي يلعبه المستشار مصطفى الفرجاني ضمن فريق الرئيس التونسي قيس سعيد. فرغم أنه عُين بصفة أعلت من “طبه” وتجاهلت “عسكريته”، فقد بات الرجل الأول في قصر قرطاج، يتبعه الآخرون.

مصطفى الفرجاني، فريق طبيب، شغل أدوارا عديدة خلال مساره العسكري. أبرزها علاجه الرئيس الراحل قايد السبسي. ثم إدارته فترة جائحة كورونا على مستوى البلاد، التي شهدت “إخفاء لقاحات” و”تأخير تلقيحات” لتحقيق خطط سعيد أو “خطط غيره”.

مؤيدو سعيد طالبوا بالاستعانة “بخبراته لإنقاذ تونس”، ما ظهر في تردد اسمه كمرشح لعدد من المناصب خلال السنوات الماضية. من بينها ترشيحه لتولي وزارة الصحة خلال حكومة رئيس الوزراء السابق الحبيب الجملي (2020)، وعقب “انقلاب” سعيد، لتولي رئاسة الوزراء (2021).

محتويات البروفايل

من هو المستشار مصطفى الفرجاني؟

ولد مصطفى الفرجاني (Mustapha Ferjani) في العاصمة تونس، 1 يناير/كانون الثاني 1961. وتابع تعليمه الابتدائي بمدرسة نهج كتاب الوزير، والثانوي بالمعهد الصادقي بالعاصمة.

بعد تخرجه من كلية الطب بجامعة تونس عام 1987، جرى تعيينه أستاذا جامعيا في قسم التخدير والإنعاش بالجامعة نفسها في أكتوبر/تشرين الأول 2002.

ترأس قسم التخدير والإنعاش بالمستشفى العسكري بالعاصمة، ولجنة مقاومة التعفنات الاستشفائية بالمستشفى نفسه. كما ترأس لجنة مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية التي أسسها عام 2015، ووحدة بحث “اختلال وظائف القلب خلال الصعقة التعفنية”.

يشغل منصب منسق شهادة الدراسات التكميلية في استكشاف القلب والدورة الدموية برجع الصدى في التخدير والإنعاش وطب الاستعجالي التي أطلقها عام 2005. ومنسق شهادة الدراسات التكميلية في التخدير الموضعي بكلية الطب بتونس.

كما يشغل رئاسة الهيئة الوطنية لاختصاص التخدير والإنعاش منذ 2018.

نشر عديد أعمال علمية بالمجلات المفهرسة التونسية والأجنبية، وألف وساعد في تأليف سبعة كتب علمية.

مصطفى الفرجاني متزوج، وأب لثلاثة أطفال.

الفرجاني طبيب السبسي

لم ينشر موقع رئاسة الجمهورية التونسية سيرة مصطفى الفرجاني، ولا تُظهر المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام محلية، تاريخ التحاقه بالجيش. لكنها ذكرت أنه تخرج ضمن الدورة 30، لمعهد الدفاع الوطني، سنة 2013.

وخلال عهد الرئيس الباجي قائد السبسي، ترقى مصطفى الفرجاني من عميد إلى لواء في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2017. وذلك خلال تنصيبه مديرا عاما للصحة العسكرية.

وبعد تعرضه لوعكة صحية وصفت بالحادة، نشرت رئاسة الجمهورية 1 يوليو/تموز 2019، عبر فيسبوك أول صور للرئيس السبسي وهو يغادر المستشفى العسكري. وظهر معه في الصورة، طبيبه الخاص معز بلخوجة، والفرجاني.

هذه الصورة عدّتها تقارير إعلامية أنها تعكس الدور المحوري الذي لعباه هما وبقية الفريق الطبي في إنقاذ الرئيس. وقالت التقارير حينها، إن الفرجاني، واحد من الأسماء التي ذكرها مقربون من عائلة السبسي، للتأكيد أن رئيس الجمهورية تحت رعاية كفاءات طبية وطنية.

إدارة أزمة جائحة كورونا

منذ بدأت أزمة جائحة كورونا عام 2020، تردد اسم مصطفى الفرجاني تقريبا مع كل إجراء وقرار وخبر عن الموضوع. وبصفته عضو اللجنة الطبية لمواجهة الجائحة، التي شكلت بداية انتشار كورونا، فقد عقد لقاءات مع مسؤولين بدءا من الرئيس وحتى القطاعات الطبية.

وبصفته مدير عام الصحة العسكرية بوزارة الدفاع الوطني، تابع الفرجاني ونشر أخبار وتطورات الإصابات والتلقيح في صفوف الجيش التونسي.

ورافق الفرجاني، سعيد، في زيارات متعلقة بالعمل الصحي، أبرزها إلى ولاية القيروان في 27 فبراير/شباط 2021، لمعاينة أرض مخصصة لمشروع مدينة الأغالبة الطبية. وأضاف بيان الرئاسة على فيسبوك، إلى اسم الفرجاني حينها، صفة “رئيس لجنة قيادة المشروع”.

27 مارس/آذار 2021، أعلنت وزارة الصحة عن إدخال تغييرات على تركيبة اللجنة العلمية لمجابهة كورونا. ورغم أنها لم تضم رئيسة المرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة نصاف بن علية. فقد أبقت على الفرجاني الذي أشارت إليه بصفة “أستاذ في التخدير والإنعاش”.

إضافة إلى ذلك، شهد الفرجاني تقريبا تسلم جميع شحنات اللقاحات والأجهزة والمساعدات الصحية التي وصلت تونس منذ بداية الجائحة. ووصل تونس لقاحات وأجهزة ومساعدات صحية من دول عديدة، خلال عامي 2020 و2021.

تأخير التلقيحات حتى 25 يوليو

في ساعة متأخرة من مساء 24 يوليو/تموز 2021، قال قيس سعيد خلال اجتماع طارئ، إن الوضع الصحي في تونس كارثي. وإن “الأخطاء كثرت في المدة الأخيرة”، وإن “التردد كان نتيجة دخول بعض اللوبيات (لم يوضحها) لإفساد جملة من الإجراءات”.

وأضاف سعيد: “نحن في حرب، وهناك من يرتدي زي العسكري، وهناك من يقاوم بما أمكنه من مقاومة، فلا مجال للتفريق بين ما هو عسكري وما هو مدني”. في إشارة إلى اعتماده طوال الأزمة بشكل كبير على العسكريين وعلى رأسهم مصطفى الفرجاني.

وصباح اليوم التالي، 25 يوليو/تموز 2021، خرجت مظاهرات في مدن تونسية، شهدت اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن. وطالبت بتنحي الحكومة، وحل البرلمان، من دون أن تقترب مطالبها من منصب رئيس الجمهورية.

في مساء اليوم نفسه، أعلن سعيد تجميد اختصاصات البرلمان لمدة 30 يوما، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي. وفي إجراءات لاحقة، أعلن تجميد الدستور مع الإبقاء على بابي المبادئ والحريات، ثم حل المجلس الأعلى للقضاء، وحل البرلمان.

وخلال تلك الإجراءات، تردد الحديث عن دور للمؤسسة العسكرية في تونس في إجراءات سعيد التي وصفتها المعارضة بأنها “انقلاب”. كما ترددت أسماء لشغل مناصب قيادية في الحكومة المزمع تشكيلها. وكان من بينها مصطفى الفرجاني في منصب رئيس الوزراء.

في الوقت نفسه، شهد ملف لقاحات كورونا بتونس، الذي كان يشرف عليه منذ بداية الجائحة مصطفى الفرجاني، جدلا واسعا. إذ اتهمت أطراف عديدة الرئاسة التونسية بإخفائها عن الحكومة شحنات لقاحات وصلتها بداية الجائحة.

وحتى 25 يوليو/تموز 2021، تاريخ إجراءات سعيد الاستثنائية، لم تكن تونس قد بدأت حملة تلقيح مواطنيها بسبب “عدم توفر اللقاحات”. غير أنها بمجرد إعلان الإجراءات، أعلنت عبر الفرجاني، عن بدء حملات تلقيح مكثف للمواطنين.

وحسب المكلف بالإعلام في الاتحاد العام التونسي للشغل غسان القصيبي، فإن سعيد تعمد تأخير التطعيم ضد كورونا. وقال القصيبي عبر فيسبوك، إن اللقاح كان موجودا بالفعل بتونس، ولم يستعمل إلا بعد إعلان سعيد إجراءاته الاستثنائية وانقلابه على الدستور.

مستشار قيس سعيد

تسلسل سيرة مصطفى الفرجاني، يظهر أنه رغم ضلوعه في تسيير وإدارة الجانب الصحي في البلاد خلال جائحة كورونا، فإن دوره الأساس لم يكن متعلقا بالصحة. إذ حقق تقريبا خطة قيس سعيد، التي استهدفت تأزيم الأوضاع خلال الجائحة لتكون غطاء لإجراءاته.

وكنوع من رد الجميل، رقى سعيد في 24 يونيو/حزيران 2021، مصطفى الفرجاني، من أمير لواء طبيب، إلى رتبة فريق طبيب. وذلك خلال احتفال بمناسبة الذكرى الـ65 لانبعاث الجيش الوطني التونسي.

ومع تزايد الإقالات والاستقالات في نظام سعيد، لم يجد أفضل من ظهيره العسكري لدعمه في بناء نظامه. وفي 25 أغسطس/آب 2022، أصدر الرئيس التونسي أمرا بتسمية “مصطفى الفرجاني، أستاذ جامعي في الطب، وزيرا مستشارا لدى رئيس الجمهورية”.

وقال القرار، المنشور في الصحيفة الرسمية “الرائد”: “يحافظ الفرجاني على خطته (منصبه) كرئيس قسم الإنعاش، بالمستشفى العسكري الأصلي للتعليم بتونس”. ونص على أن تسند إليه “المنح والامتيازات المخولة لوزير” المنصوص عليها في القوانين التونسية المتعلقة.

وتفادى الأمر الرئاسي، على غير العادة، الإشارة للصفة العسكرية للفريق طبيب عسكري، واكتفى بالإشارة لصفته الجامعية. فيما يبدو وكأنها رسالة ضمنية لصبغ التعيين سياسيا. وفق مقال للسياسي والحقوقي التونسي عبد الوهاب الهاني، نشره في 2 سبتمبر/أيلول 2022.

أما عن أهداف تعيين مستشار قيس سعيد، فقد ذهب الهاني، إلى أنها قد تكون علاقة “علاجية”، كتلك التي عرفتها تونس سابقا مع الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وطبيبه الخاص محمود بلحسين. أو الرئيس المعزول زين العابدين بن عليه وطبيبه ومستشاره الخاص د. محمد قدِيش.

ضابط الإيقاع في قصر قرطاج

وفي إحدى الفعاليات السياسية، ظهر المستشار مصطفى الفرجاني في الموقع البروتوكولي الأول على يسار رئيس الجمهورية. ما يُظهر وفق السياسي التونسي “توجها من رئيس الجمهورية أو/ ومن المُؤسسة العسكرية باتِجاه مزيد من الضبط السِياسي في مؤسسة رئاسة الجمهورية”.

كما يهدف تقدم الفرجاني الجميع، إلى “حماية (أو منع) رئيس الدولة ومؤسسة رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة من محيط الرئيس. من المعلومات والتقديرات الخاطئة والقرارات العشوائية، ومن الجهات التي تقف وراءها، رسمية كانت وعائلية، أو غير رسمية”.

وتزامن تعيين الفريق الفرجاني، مع أحاديث ناشطين عن عسكرة الحكومة وسلك الولاة، بالإضافة لتسريبات عن عسكرة السِلك الدِيبلوماسي. كما تزامن مع تنامي دعوات “ملشنة (تحويل إلى مليشيا)” ما يسمِيه أنصار الرئيس “الحراك” المؤيد له.

يُضاف إلى ذلك، المعركة بين رئيس الجمهورية الذي ما فتئ يعتبر نفسه قائدا للقوات المسلحة العسكرية وللقُوات النظامية، والنقابات الأمنية وقيادة قوات الأمن الداخلي التي ترى أنها يجرى تدجينها وإخضاعها لتكون وسيلة لفرض الطاعة في حين ترى أنها “شريك في المسار”، وفق الهاني.

وتساءل: تعيين العسكري الفرجاني بمنصب “وزير مستشار” وإعلاء رتبته بروتوكوليا وفعليا للرجل الأول بالقصر. وتنزيل خالد يحياوي للمرتبة الرابعة مستشارا أولا مديرا عاما للأمن الرِئاسي. هل يعني ذلك علوية المؤسسة العسكرية على المؤسسة الأمنية في الضبط السِياسي في القصر؟

مصادر البروفايل

اكتشاف المزيد من بروفايلات

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading